مقالات الاعضاء
أزمة الشهر العقاري والاقتصاد غير الرسمي

2021-03-19 02:41:43

بقلم وليد فهمي | رئيس إتحاد موثقي مصر

أزمة الشهر العقاري والاقتصاد غير الرسمي 
 
 
بقلم: وليد فهمي – رئيس إتحاد موثقي مصر 
 
خلال عام 2014 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بالخبير الاقتصادي العالمي "هيرناندو دي سوتو"، حيث تناول اللقاء طرح رؤية حول مستقبل القطاع الاقتصادي غير الرسمي في مصر. رؤية مستقبلية لإدراجها ضمن البرنامج الانتخابي للسيد الرئيس وقتها، كما تناول اللقاء طرح عدد من المُقترحات حول تنمية القطاع الاقتصادي غير الرسمي للاستفادة منه في زيادة معدلات النمو والتحفيز الاقتصادي. وأبدى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تقديره البالغ للمُقترحات التي طرحها "دي سوتو"، مشيراً إلى أنه سبق وأكد مراراً اعتزامه وضع الملف الاقتصادي المصري على رأس أولوياته بالتوازي مع كافة المحاور والملفات الأخرى التي تعد في حاجة لإصلاحات وحلول عاجلة. ولعل أهمها كما أشارت الدراسة المُقدمة من الخبير الاقتصادي العالمي إلى أن 92% من الملكية العقارية للمصريين غير مسجلة. وهي ثروة عقارية غير مُستغلة، ويجب إدراجها بالاقتصاد المصري، لأنها جزء من رأس المال الوطني وناتج محلي مُهدر 
 
وإنه يجب تبنى برنامجاً متكاملاً لدمج هذا القطاع غير الرسمي في القطاع الرسمي للاستفادة منه في زيادة معدلات النمو وتحفيز الاقتصاد، مشيرا إلى أنه بدون إرادة واضحة فإن تمامه قد يواجه كثيرا من المعوقات ومشكلات تضارب الاختصاصات وتعدد الجهات، موضحا أن هناك 215 قانونا وقرارا يتعامل مع العقارات في مصر و29 جهة مختلفة تتعامل مع ممتلكات المواطنين
 
وأضاف إذا ما استمرت نظرة الحكومات للقطاع غير الرسمي على أنه قطاع صغير فأهلا بك في «دولة الفقر»، أما إذا أردت الخروج من الفقر فعليك الاستفادة من إمكانيات هذا القطاع العقاري والذي يمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد في الدول النامية ومنها مصر.
 
وأشار إلى أن القوانين يجب أن تنبع من القاعدة وليس العكس حتى تنجح في حال تطبيقها، وأن المشكلة ليست في الشعوب أو الأشخاص ولكن في مستوى القوانين والتشريعات القائمة في كل دولة.
 
وأشار إلى أنه إذا ما قامت الحكومة بتسهيل إجراءات تسجيل العقارات فإن تسجيل 5% فقط منها سيؤدى لتضاعف الاقتصاد.
 
وكان دي سوتو قد طرح حلولاً حول إمكانية الاستفادة بقطاع الاقتصاد غير الرسمي من خلال تمكين المصريين من خلال إصلاح تشريعي للنظام القانوني للملكية العقارية بمصر، بحيث يُمنح المواطنون حقوق ملكية واضحة وسهلة للأصول التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، ومن ثم تحرير رأس المال الوطني الذي يمثل حالياً 100 ضعف الاستثمار الأجنبي المباشر، وكل ما عرضه الخبير الاقتصادي هو ما نتحدث عنه ونطالب به منذ عام 2009 وحتى الآن.
 
ومع أزمة التسجيل العقاري بمصر والتي وصلت ذروتها خلال شهر فبراير 2021، بسبب تداعيات المادة 35 مكرر بقانون الشهر العقاري، والتي أزاحت الستار الأسود عن الحقيقة المؤلمة للقطاع العقاري بمصر من ان نسبة العقارات غير المُسجلة تتخطى 95% من اجمالي عقارات مصر، وهو ما نوهت عنه الدراسة الاقتصادية التي قدمها الخبير الاقتصادي العالمي "دي سوتو "، وما سبق وحذرنا وتحدثنا عنه مراراً وتكراراً عن مدى وعمق وخطورة أزمة التسجيل العقاري بمصر ... 
 
فقد تدخل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مشكوراً في الوقت المناسب لإنقاذ البرلمان والحكومة والمُجتمع من كارثة تشريعية مُحدقة ستصيب القطاع العقاري بمصر بالشلل، ومحققاً لمطالب كافة فئات الشعب، و إنحيازاً لرغباته ودفاعاً عن حقوقه ،وموجهاً بـ تأجيل تطبيق القانون رقم 186 لسنة 2020 الخاص بالمادة 35مكرر من قانون الشهر العقاري وذلك لفترة انتقالية لا تقل عن عامين بهدف إتاحة الفرصة والوقت لإجراء حوار مجتمعي، وإعداد مشروع قانون متكامل لتطوير منظومة الشهر العقاري والتوثيق بمصر ، قرار حكيم وتاريخي ولاقى تأييداً واسعاً والشكر من كل فئات المجتمع وأنهى أزمة خطيرة استغلتها قوى الشر لنشر الفتن بالمُجتمع ،وأخيراً صدر القانون رقم 5 لسنة 2021 ونُشر بالجريدة الرسمية صباح يوم السبت الموافق 6 مارس 2021 ، بتأجيل سريان القانون رقم 186 لسنة 2020(م 35 مكرر) حتى 30 يونيه 2023 ، مما يُتيح الوقت الكافي للحوار المجتمعي الشامل ودعوة المُختصين لتقديم مشروع قانون متكامل لمنظومة الشهر العقاري والتوثيق ،
 
وقرار التأجيل لمدة عامين صدر مُسبباً وليس لمجرد التأجيل فقط بل هناك أمران او سببان للتأجيل، السبب الأول هو إعادة النظر في المادة 35 مكرر ودراستها مرة أخرى وما لحقها من عيوب، وهو أمر تكفيه مدة العامين (مدة التأجيل) والسبب الثاني هو توجيه رئاسي عاجل لجميع سلطات الدولة ولجميع فئات المجتمع وهو طرح الازمة واسبابها وعلاجها للحوار المجتمعي، لكي يقدم الجميع مُقترحاته، حول العلاج التشريعي الكامل لتطوير وتحديث منظومة التسجيل العقاري والتوثيق بمصر 
 
وما بين عام 2014 والحلول التشريعية للخبير الاقتصادي العالمي , وبين توجيهات السيد الرئيس عام 2021 بالبحث عن علاج تشريعي لأزمة الشهر العقاري ، يتأكد لنا جميعاً أن الشهر العقاري يحتاج الى نظرة شمولية لتطويره وإعادة هيكلته وليس تعديلات تشريعية محدودة لن تحل الأزمة بل بالعكس ستزيد من حدتها ، ولن يتحقق ذلك إلا باهتمام وموافقة تشريعية ، تحقق تسهيل وتيسير التسجيل العقاري والتوثيق وهو المهمة الأولى للدولة بصفتها قضية أمن قومي بالمقام الأول ، وعلى الدولة ان تقوم بواجبها الدستوري في حماية الملكية العقارية ،وتعرف وتتحكم وتراقب ما تديره من أملاك ، وإدراج الاقتصاد غير الرسمي والذي طرحه الخبير الاقتصادي ، والبداية تشريعية دائماً من خلال تطوير وإعادة هيكلة الشهر العقاري ، ولعل أفضل مشروع مُتكامل هو إعادة الهيكلة الشاملة لمصلحة الشهر العقاري والتوثيق ، وتحويلها لهيئة مستقلة ذات اختصاص قضائي في المُنازعات والملفات العقارية  بالتزامن مع حلول موضوعية مُستحدثة لأول مرة تشريعياً  لتسهيل إثبات وحصر الثروة العقارية مصر والمصريين وفي ضوء التجارب التشريعية الدولية والعربية ذات الصلة ،و كـ استحقاق دستوري تنفيذاً للمادة 199 من دستور مصر ، 
 
ومع إن هيئة مستقلة للشهر العقاري كحد أدنى من خلال العلاج التشريعي المُقترح ، فإن الازمة كانت ومازالت تستحق وزارة للأملاك العقارية خاصة مع ضخامة العقبات العقارية وتشعبها كماً وكيفاً بل وامتداد جذور أزماتها في عمق التاريخ، فالموضوع من الأهمية بمكان والخطورة بزمان يستحق وزارة جديدة عقارية قائمة بذاتها أو على الأقل هيئة مستقلة تُسند إليها كافة الشئون العقارية والمُختصة بها حالياً مصلحة الشهر العقاري والتوثيق من تنظيم عمليات البيع والشراء وإثبات وحماية الملكية العقارية وحصر الأملاك العامة والخاصة وتنظيم تداولها رسمياً ،وإنشاء قاعدة بيانات عقارية دقيقة لكل مصر من خلال هيئة قانونية مستقلة ذات سلطات قوية وصلاحيات جديدة، تمتلك القُدرات التنفيذية والمُقومات التشريعية لتسجيل وحصر جميع عقارات مصر وإثباتها وحمايتها والبالغ نسبة المسجل منها حالياً 5%  فقط ،ومع التأكيد على أن أي مشروع قانون للتسجيل العقاري أو حتى تعديل محدود، لابد وأن يسبقه تطوير وإعادة هيكلة شاملة للشهر العقاري والتوثيق، حتى لا تكون المكاتب سبب فشل تطبيق القانون على أرض الواقع شكلاً وموضوعاً ولن يتحقق ذلك سوى بتحويل الشهر العقاري لهيئة قانونية مستقلة بمشروع قانون يجمع بين إعادة الهيكلة الإدارية والعلاج الموضوعي الفعال لأزمات وعقبات التسجيل العقاري والتوثيق وفقاً للمعايير الدولية المعاصرة
أضف تعليقك